عبث الزراعة الحديثة

بقلم: خوسيه لوتزنبرجر ومليسا هولوواى
ترجمة : احمد زكى

نقص المعلومات, فى الجدل السائر حاليا حول تطبيقات البيوتكنولوجى خصوصا فى الزراعة, يتسبب فى إثارة قلق لا داعى له فى بعض الجوانب, بينما لا يثير جديا الاهتمام الواجب بجوانب أخرى. وهذه هى الفضيحة! إننا نحتاج لإلقاء نظرة كلية على مجمل الصورة من اجل فهم لماذا وكيف تسيطر الشركات العملاقة بشكل مطرد على الإنتاج الزراعى؟

الواقع الحالى يقول أن السيطرة التى تكاد أن تكون كاملة من البيزنس الكبير على البيوتكنولوجى هى محصلة عملية مستمرة خلال ثلاثة أرباع القرن الماضى. والآن تعالوا نتفرج على تاريخ الزراعة من مقاعدنا فى زماننا الحالى.
تاريخ الزراعة:
اكتشفت الزراعة فى وقت ما فيما بين عشر إلى خمسة عشر ألف سنة من الآن. وفى الالفى سنة أو الثلاث آلاف سنة الأخيرة ارتقت الزراعة لتكون حضارات فلاحين متنوعة تتوافق مع بيئتهم المحلية. حضارات جميلة تستمد القدرة على التطور والنمو من داخلها, ومن علاقتها بالجوار. حدث هذا فى مناطق عديدة فى العالم, خاصة فى أوروبا وآسيا والمكسيك وأمريكا الوسطى والانديز وبعض المناطق فى أفريقيا.
ومن بدايات المرحلة الاستعمارية, طور الفلاحون الأمريكيون بالرغم من الكوارث العديدة: كعواصف الأتربة مثلا, نظم زراعية جميلة كانت فى طريقها لان تصبح نظم زراعة مستدامة. وكانت كثير من هذه الحضارات الزراعية فى حالة متماسكة, وظلت هكذا حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. ولكن القليل الذى تبقى منها الآن قد تمزق شر ممزق!
نجحت الصناعة من خلال خطوات متتابعة فى الاستحواذ على العمليات الزراعية التى كان يقوم بها الفلاح, الواحدة بعد الأخرى. وقد انتزعت منه كل ما كان من شأنه أن يحقق ناتج ربح مضمون, وتاركة له كل مخاطر العمليات الزراعية ليتحملها وحده مثل: مخاطر المحصول السيئ, والطقس الغير ملائم, وخسارة المال المستثمر نتيجة الزيادة المتعاظمة فى أسعار مستلزمات الدورة الزراعية, والانخفاض المستمر فى أسعار المنتج الزراعى الذى يبيعه.

يدعى الخطاب التقليدى الذى يناصر أساليب الزراعة الحديثة أن هذه هى الطريقة الوحيدة التى تحل مشكلة الجوع فى العالم, وهى كذلك الطريقة الوحيدة القادرة على إطعام الجموع القادمة نتيجة الانفجار السكانى. ولكن ذلك بالطبع احد الأوهام!!
فطبعا, يمكننا تحسين طرق الفلاح التقليدية بواسطة المعرفة العلمية التى نملكها اليوم عن: كيفية نمو النبات, وعن تركيب التربة, وكيميائها, وطرق تحديد عمرها, بالإضافة لمعرفتنا بالعمليات الحيوية التى تجرى داخل النبات ومعارف أخرى.
ولكن التحسين لا ينبغى أن يكون فى اتجاه زراعة المساحات الهائلة بمحصول واحد, ولا بالاعتماد على الميكنة العالية للزراعة, ولا النظرة الأحادية لدور الأسمدة التجارية والمبيدات الاصطناعية فى إنتاج زراعى ينقل عبر الكوكب كله.

المحصول الزراعى الأوحد هو اختراع الحقبة الاستعمارية. فقوى الاستعمار كانت لن تستطيع استنزاف الكثير من الفلاحة التقليدية التى تزرع أنواع كثيرة ومتنوعة من المزروعات من اجل الحفاظ على بقاء حياتهم ومن اجل أسواقهم المحلية والإقليمية. كانوا يريدون كميات هائلة من القطن والسكر والبن والشاى والكاكاو وغيرها. وهذا ما قاد إلى انتزاع ملايين البشر من موطنهم الاصلى. وهو أيضا ما كان جذر تجارة العبيد من أفريقيا إلى الأمريكتين. تلك التجارة التى تشكل واحدة من أعظم الكوارث فى التاريخ البشرى.
ولكن مشكلة الزراعة الحديثة الجوهرية هى إنها طريقة زراعة غير مستدامة. فحتى لو كانت إنتاجيتها للحد الذى يدعونه, فذلك لن يؤدى إلا لتأجيل الكارثة فقط. ولسوف تكون الكارثة أعظم حينما تحدث. وإذا ما كانت مسئوليتنا هى إطعام النسل المتعاظم النمو, مع الأخذ فى الاعتبار واجبنا نحو إيجاد وسائل لوضع تزايد السكان العددى تحت السيطرة, لذا يجب علينا تطوير طرق إنتاج زراعى مستدامة.

ولقد طور الفلاح التقليدى, باستثناء عدد قليل جدا منهم, طرق مستدامة للزراعة. الفلاحون الصينيون يحصلون على إنتاجية عالية من حقولهم لمدة استمرت اكثر من ثلاثة آلاف عام دون أن يعتدوا على خصوبة تربتهم. بل على العكس من ذلك, فلقد ساعدوا بطريقتهم هذه فى الحفاظ عليها وزيادة خصوبتها إلى حدها الأقصى.
يتعلم الفلاحون المعاصرون, العائدون إلى طرق الزراعة التقليدية, كيف تصبح زراعتهم مستدامة أكثر فأكثر؟ مع إنتاجية مثالية للأرض, ويستنبطون طرق متوافقة مع بيئتهم المحلية, بينما يحافظون على التنوع البيولوجى للنباتات التى كانت موجودة مسبقا فى بيئتهم الزراعية والمساحات الجغرافية المحيطة.
دعنا نسميها باسم "الزراعة المستعادة" بدلا من أسماء كالزراعة البيولوجية أو الزراعة العضوية او البديلة. فنحن عندما نتعامل مع الحياة, يصبح كل شئ, سواء أكان سيئا أم كان طيبا, فهو بيولوجى, وهو عضوى, حتى المذابح الجماعية هى أيضا عضوية. البديل فقط يعنى انه مختلف وقد يكون بديلا اسوأ. ولكن المستعاد يعنى استعادة ما فقدناه أو استعادة ما خربه الآخرين.

الزراعة الحديثة:
خطت الزراعة الحديثة خطوات خارج منطق نظام الحياة الطبيعى. لدى كل أنظمة التوازن البيئى الطبيعية آلية داخلية للتغذية المرتدة. فمثلا منذ البدايات الأولى, عندما نستصلح فطعة من الارض المجدبة, لنقل سفح بركان مثلا, تبدأ الشروط البيئية لهذه الارض فى التحسن حتى نصل الى ذروة ترتفع بالارض الى نشاط بيولوجى مستدام. ولكن انظمة التوازن البيئى للزراعة الحديثة تؤدي الى العكس تماما من ذلك, فهى تفرض التغذية المرتدة اى: الاسمدة الكيماوية والمبيدات الزراعية وهى ما تسمى بالكيماويات الزراعية, التى تتسبب فى الهبوط بالطبيعة البيئية للارض وتفقر التنوع البيولوجى.
ومن سوء الحظ تنجح الفلاحة الحديثة بتجريف التربة واستبدال الخصوبة المفقودة بمواد مغذية منقولة من مكان آخر. تأتى بالاسمدة التجارية من مناجم الفوسفات التى سرعان ما سوف تنضب. ولكن مناجم البوتاس الاغنى والاوفر عددا, والنيتروجين, هما اهم عناصر الإنتاجية للزراعة الحديثة. وبالرغم من تحضير النيتروجين من الغلاف الجوى, وهو مصدر من المفترض انه غير قابل للانتهاء, يتم تصنيعه بطريقة "امونيا-هابر بوش" وهى عملية اصطناعية تستهلك كمية هائلة من الطاقة التى تنتجها غالبا انواع من الوقود الاحفورى. وحتى عندما نحصل على النيتروجين من الكهرباء المنتجة هيدروليكيا, فاننا بذلك نستهلك كهرباء كان يمكنها ان تحل مكان الوقود الاحفورى فى عمليات أخرى.

كل المدخلات الأخرى فى عمليات الزراعة الحديثة مثل: المبيدات الزراعية والاعتماد المتزايد على الميكنة الثقيلة هى مدخلات من الانواع المستهلكة للطاقة بكثافة. لكن الزراعة من منظور كلى ايكولوجى, هى مخطط يحصد الطاقة الشمسية من خلال عملية التمثيل الضوئى للنبات. وحيث ان كل اشكال الزراعة التقليدية ذات ميزان ايجابى للطاقة, فقد ادت الزراعة الحديثة الى تخريب هذا الجانب الاصيل من عملية الزراعة. لقد اصبحت معظم جوانب عملية الزراعة الحديثة مستهلكة صريحة للطاقة. تكاد تكون كل العمليات المفترض انها عالية الإنتاجية, فى حاجة لمزيد من الوقود الاحفورى. وبشكل عام تتطلب كمية من الطاقة اكثر من تلك التى تنتجها.
ولاستعمال تشبيه مقارب, نستطيع ان نقول ان حالة الزراعة الحديثة كحالة بئر البترول, الذى تستهلك ماكينة تشغيل طلمبة الشفط كمية من البترول اكبر من الكمية التى تسحبها الطلمبة من البئر. مثل هذه النشاطات غير مقدر لها البقاء الا بالدعم المالى فقط!

انهم يدعون ان الزراعة الحديثة ذات كفاءة لدرجة ان حوالى 2% من السكان يستطيعون اطعام باقى السكان.
عند بداية القرن العشرين كان يعمل حوالى 60% من السكان فى الارض, وذلك فى اوروبا والولايات المتحدة وغالبية البلاد. وفى نهاية الحرب العالمية الثانية كان النسبة قريبة من 40%. اليوم فى الولايات المتحدة اقل من 2% من السكان فلاحون. وفى معظم البلدان الاوروبية يقترب الرقم من 2%, حيث لايزال الضغط جاريا على الفلاح حتى ينسحب مستسلما.
الان حينما يقال ان فى الاقتصاد الحديث 2% فقط من السكان قادرون على اطعام مجموع السكان, فى مقابل 60% او 40% فيما سبق, فان ذلك اما ان يكون وهما او ان يكون كذبا مبنى على مقارنة خاطئة من الاساس!
فى السياق العام للاقتصاد, كان الفلاح القديم يمثل نظاما كاملا لإنتاج وتوزيع الغذاء. وايضا كان هذا الفلاح يعتبر منتجا للمواد الأولية التى يحتاجها لتشغيل هذا النظام. كان يحافظ على خصوبة تربته بالروث العضوى, وتبادل زراعة المحاصيل, او زراعة نوعين مصاحبين فى نفس الوقت, او تسميدها بالروث الاخضر, او تغطية الارض بالاعشاب الجافة او المخمرة, او اراحتها بدون زراعة لمدة موسم. كان ينتقى بذوره من افضل ما جاء به محصوله. وكانت حيوانات الجر توفر له الطاقة, وكذلك الرياح او قوة اندفاع الماء توفر الطاقة لطاحونته.
كانت كلها اشكال من الطاقة الشمسية.
ومعظم ما كان ينتجه الفلاح, كان يكاد يذهب الى ايدى المستهلكين مباشرة فى الأسواق الاسبوعية.
ولكن فلاح اليوم ليس الا سن صغير فى ترس من تروس بنية تحتية هائلة, لبنيان تكنوقراطى يحتاج دائما الى تشريعات خاصة ودعم مالى كثيف. مقارنة باسلافه الغابرين الذين كانوا يصنعون بانفسهم كل شئ تقريبا لإنتاج وزراعة وتوزيع الغذاء, فلاح اليوم ليس اكثر من سائق جرار او ولد يحمل على اكتافه آلة رش المبيدات.
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية كانت المانيا قد دمرت بالكامل. وكان مشروع مارشال حقا ذا فائدة! ولكن الحقيقة الاهم, ان اهل المدن هاموا على وجوههم فى القرى طلبا لسد الرمق من الجوع, وكانوا يقايضون اى شئ ذى قيمة ساعة مثلا او خاتما او بيانو مقابل كمية من الطعام. كان الفلاح وقتها يمتلك الطعام, كان لديهم الغلال وكان لديهم البقول والبطاطس والخضروات والفواكه واللبن والجبن والدجاج والاوز واغذية أخرى كثيرة. ولن نحتاج الى الحرب اليوم لنضع المزارعين الاوروبيين فى موقف مماثل, لينطلقوا هائمين على اوجههم بحثا عما يسد رمقهم. ولكن عندما تقع الواقعة الى اين سيتوجه هؤلاء المساكين؟
لن يتطلب الامر سقوط ولو قنبلة واحدة لتقع الواقعة! انهيار الطاقة والمواصلات خصوصا مواصلات الاسمدة المعدنية وطعام الماشية وانهيار البنوك والاتصالات وشبكات الكمبيوتر سيؤدى الى حدوث الواقعة. والمدهش ان القوة العسكرية لن يكون لها فى هذا الامر ناقة ولا جمل!
ان الامن القومى يعتمد بشكل جوهرى على زراعة صحية ومستدامة.
إنتاج الغذاء:
منظومة إنتاج وتوزيع الغذاء, التى تحتوى ايضا على الالياف وبعض الاصناف غير الغذائية فى ايامنا هذه, تبدأ من حقول البترول, وكل مناجم المعادن والخامات الأولية الأخرى. وتعبر من خلال معامل التكرير وافران الصلب والالومنيوم وصناعات الالات, ومن خلال انظمة البنوك, وكل انظمة النقل والمواصلات المختلفة المعتمدة اساسا على انواع الوقود الاحفورى, وصناعة التعبئة والتغليف, واجهزة الكمبيوتر, وسلاسل السوبر ماركت, ومجمع صناعات متكاملة لم تكن موجودة سابقا. اى الصناعات التى تتدأول الاغذية, التى من الافضل تسميتها صناعة "تغيير طبيعة الغذاء" او صناعة "تلويث الغذاء بالاضافات الكيماوية التى يسمونها مواد حافظة او مكسبة للطعم والرائحة".
ولو رغبنا فى مقارنة المزارعين التقليديين بمزارع اليوم فمن الواجب اضافة ساعات العمل فى كل من الصناعات المذكورة اعلاه, واعمال أخرى قليلة, بالاضافة الى بعض الخدمات مثل: خدمات تصنيع الاغذية الغير مغذية, الى المدى الذى تساهم به سواء مباشرة او غير مباشرة فى الإنتاج, وعمليات المنأولة والتوزيع. بل من المفروض ايضا ان تتضمن ساعات العمل اللازمة, التى تساوى النقود التى يجب كسبها من اجل دفع الضرائب التى تذهب فى شكل الدعم المالى المدفوع للزراعة الحديثة.
ومما هو جدير بالذكر فى موضوع الدعم المالى, ان النصيب الاعظم منه لا يذهب الى الفلاح ولكن الى مجمع الصناعات المذكورة. يترك الفلاح غالبا على شفا الافلاس!
الحساب الاجمالى بهذه الطريقة يظهر بكل تأكيد اننا اليوم, فى اقتصادنا الحديث, تذهب تقريبا 40%, او اكثر, من كل ساعات العمل الى إنتاج وتدأول وتوزيع الغذاء. ولكن الاقتصاديون التقليديين فى ايامنا هذه, وهم من تصغى لهم حكوماتنا, وبنظرتهم العالمية الغامضة, يضعون سائق الجرار الزراعى فى القائمة, ولكن يضمون الورش الزراعية الى قائمة صناعة الالات, والاسمدة الكيماوية والمبيدات الى الصناعات الكيماوية, كما لو ان لا علاقة لهم بالغذاء!!
وما نخرج به من نتيجة لذلك, مع بعض الاستثناءات القليلة, ما هو الا اعادة لتوزيع المهام, واشكال معينة من تركيز النفوذ. ولكننا لا نحصل على كفاءة اعلى من الزراعة.
ولنتفحص بشئ من التفصيل بعض الاوجه الحاسمة الأخرى. غير ان الزراعة الحديثة ليست افضل كنظام إنتاج وتوزيع. وبعيدا عن كونها انها ليست اكثر إنتاجا فيما يتعلق بقوة العمل ولكن فى كونها اقل إنتاجا فيما يتعلق بمعدل إنتاجية الفدان!
ايهما اكثر إنتاجية؟
ففى اغلب الاحيان, مثلها فى ذلك مثل التربية الكثيفة للحيوان, تكون الزراعة الحديثة مخربة. انها تدمر من الغذاء اكثر مما تنتج!
فى جنوب البرازيل, وخلال نصف القرن الماضى, تمت ازالة الغابات الهائلة شبه الاستوائية بالكامل. حدث هذا فى وادى "اوروجواى". ولم يترك سوى بعض آثار قليلة من اشجارها!
كانت ازالة هذه الغابات وحرقها بشكل يكاد يكون تاما, هى والنبات الطبيعى فى المنطقة, تستهدف افساح المجال امام زراعة هذه المساحات الهائلة بفول الصويا. لم يحدث هذا بغرض تخفيف مشكلة الجوع فى المناطق الفقيرة بالبرازيل, ولكن من اجل زيادة ثروة حفنة قليلة من الافراد, ليست لديهم اى خبرة سابقة بتقاليد الزراعة, ومن اجل التصدير الى السوق الاوربية المشتركة, انذاك, بهدف توفير طعام للماشية الاوروبية.
زراعة فول الصويا هى واحدة من اهم الزراعات الحديثة الكثيفة والعالية الميكنة والمستهلكة لكيماويات الزراعة. ولا يمكن اعتبارها زراعة متخلفة باى معيار, مقارنة بمثيلتها فى الولايات المتحدة. ففى مناخنا شبه الاستوائى, يمتلك الفلاح ميزة اضافية لقدرته على زراعة القمح والشعير وحبوب أخرى. او انه يزرع السيلاج وانواع أخرى شتاءا على نفس الارض. ومقارنة بما يستطيع فلاحنا زراعته فى نفس التربة يعتبر ذلك إنتاجية منخفضة, ونادرا ما تتعدى ثلاثة اطنان من الحبوب غلة الصيف, والشتاء معا, للهكتار الواحد.
الفلاح الذى ينتج غذاء السكان المحليين ينتج بسهولة خمسة عشر طنا من الغذاء للهكتار الواحد. تتنوع بالبطاطا السكرية والبطاطس الايرلندية وقصب السكر والحبوب اضافة الى الخضروات والعنب وكل انواع الفواكه, والشعير والسيلاج لماشيته. وكان يمتلك ايضا دجاجا وخنازيرا.
وبالرغم من هذه الحقيقة فقد كانت السياسات الزراعية الرسمية تدعم دائما الولد الكبير على حساب هذا الفلاح. فرض على مئات الالاف منهم ان يتخلوا عن ارضهم متجهين اما الى المدن وغالبا الى الاحياء العشوائية منها, او الهجرة الى الشمال البعيد, الى غابات الامازون المطيرة.

حدث تدمير هائل فى ولاية "رودونيا" بفلوس البنك الدولى. حيث لم يعتاد صغار الفلاحين الذين استوطنوا هذه المنطقة الزراعة فى المناطق الاستوائية دون اى عون. وافلست الغالبية منهم تاركين ورائهم دمارا هائلا خلفهم, وغابات جديدة ازيلت من على خريطة العالم.
فى وسط البرازيل يقع اقليم حشائش السيرادو, وهى المعادل الامريكى اللاتينى لمنطقة حشائش السافانا الافريقية. وقد دمر هذا الاقليم بشكل يكاد يكون كاملا, حتى يزرع بفول الصويا. حيث تبلغ مساحة احدى مزارع الصويا فيه اكثر من 100000 هكتارا قطعة واحدة. كان اقليم السيرادو غنيا فى تنوعه الطبيعى تماما مثل غنى اقليم الغابات المطيرة الاستوائية. بل انه يتميز فى بعض اجزاءه بغنى فريد.
وهناك نموذج حى آخر. وهو الاتهام الذى يصم الفلاحين الهنود الحمر فى اقليم شياباس بالمكسيك بالتخلف. هؤلاء المزارعين يصارعون الان ضد السوق الامريكية الشمالية "النافتا" من اجل البقاء. الانتقاد الموجه لهم انهم ينتجون فقط بمعدل طنين من الذرة للهكتار الواحد, مقابل مزارع المكسيك الحديثة التى يصل إنتاجه الى ستة اطنان للهكتار الواحد.
ولكن هذه الاحصائية هى جزء وحيد من الصورة. فالمزارع الحديثة تنتج ستة اطنان للهكتار, وهذا هو كل ما فى الامر! ولكن الفلاح الهندى الاحمر ينتج محاصيل متنوعة, بين اعواد الذرة التى يزرعها والتى يستخدمها كدعامة تتسلقها البقول. وهو يزرع بين هذه الاعواد ايضا القرع العسلى والبطاطا والطماطم وكل انواع الخضروات والفواكه والاعشاب الطبية. ومن نفس الهكتار ينتج هذا الفلاح غذاء لماشيته ودواجنه. انه ينتج بسهولة اكثر من 15 طنا من الغذاء فى الهكتار الواحد, دون سماد كيماوى ودون مبيدات كيماوية ودون قروض بنكية ولا دعم حكومى ولا دعم من الشركات متعدية الجنسية.

انتزاع مثل هؤلاء الناس من ارضهم هو استمرار لواحدة من اكبر الكوارث فى زماننا المعاصر. عندما يسكن هؤلاء الناس بعشش الصفيح العشوائية حول المدن, فانهم يضطرون لشراء الغذاء, الذى كانوا ينتجونه, من المزارع الحديثة بإنتاجها الاقل. وهنا عندما نحسب الحسبة, يصبح لدينا فى كفة غذاء اقل, وفى الكفة الأخرى عدد متعاظم من البشر فى حاجة لهذا الغذاء. هؤلاء البشر اخذت منهم اراضيهم لتكون مراعى للابقار التى نادرا ما تنتج ازيد من 50 كيلوجراما من اللحوم لكل هكتار فى السنة.
هناك مئات من القصص المثيلة التى يمكننا روايتها.
ففى حالة "تشياباس", يتكلم سكان كل وادى فى هذه المقاطعة لغة خاصة بهم, ولكل منهم حضارة وثقافة خاصة بهم. وفوق كل الخسارات الفردية التى لحقت بهم, فان عملية تطهير الارض من سكانها الاصليين الذين يمتهنون الزراعة, تجعلنا نصبح امام تطهير عرقى للحضارات!!
الإنتاج الحيوانى الحديث:
وفى حالة التربية الكثيفة للحيوان من اجل اللحوم والبيض, فان الطرق المتبعة طرق مدمرة بشكل مباشر. تدمر من غذاء الانسان اكثر مما تنتجه.
فالدواجن فى معسكرات التعذيب الحزينة, او مصانع البيض والتى تسمى تجاوزا مزراع الدواجن, يقدم لها حصص متوازنة علميا من الحبوب وفول الصويا وكعكة زيوت النخيل. وعادة ما يضاف لها وجبة من الاسماك. ونعرف حالات فى البرازيل تحتوى فيها الوجبات على بودرة الالبان القادمة من السوق الاوروبية المشتركة. وهذا ما يضع الدواجن فى تنافس مع الانسان حيث نطعمهم من الطعام الذى ينتجه الانسان لنفسه. وهكذا تتحول المسألة الى عبث مطلق اذا ما كانت الغاية هى المساهمة فى حل مشكلة الجوع فى العالم.
فى الزراعة التقليدية كانت تتغذى الدواجن على الحشرات والديدان والروث والاعشاب والحشائش وبقايا المطبخ ومخلفات المحاصيل. وهكذا تزداد قدرة ارض الفلاح على استيعاب حاجاته الانسانية.

والان يقلصون كل ذلك تقترب نسبة تحول تغذية الحيوان الى طعام يصلح للاستهلاك الادمى من نسبة 20 الى 1.
يجب ان نأخذ فى اعتبارنا ان نصف وزن الحيوان الحى, وهو الريش والعظم والاحشاء, لا تستهلك آدميا. وعلينا ان نضع فى حسباننا ان نسب العلف المركز المجففة, عن طريق طاقة داخلة, تصل بالتجفيف الى نسبة قصوى تبلغ 12% من الماء فى حين ان نسبة الماء فى اللحوم تصل الى 80%.
وفى حظائر التسمين, تستخدم اكثر الاساليب كفاءة نسب من المخاليط تزن حوالى 2.2 كيلوجرام للحصول على كيلو جرام واحد من وزن الدجاج القائم. نصفه فقط صالح للاستهلاك الآدمى. وهكذا تصبح نسبة 2.2 الى 1 تصبح فى الحقيقة 4.4 الى 1.
وبتصحيح نسبة الماء اى بضرب 4.4 فى 0.88 وضرب 1 فى 0.2 نحصل على النسبة الحقيقية وهى 3.87 الى 0.2 اى نسبة تساوى 19.36 الى 1.
حديثا جدا بعض شركات تربية الدواجن حسنت هذه النسبة لحد ما, بادخال بقايا اسلاف الدواجن المذبوحة فى مجزر الدواجن, فى علفها وهكذا دفعت الدواجن دفعا الى نوعية الكائنات المجنونة آكلى نفسها. وجانب آخر من جوانب العبث فى هذا الامر كله, هو ان هذه العليقة المتوازنة النسب علميا تخلو تماما من المكونات الخضراء, مثلها تماما مثل ما يقدم للخنازير. ولكن الدواجن والخنازير من الحيوانات التى تأكل الاعشاب الخضراء بشراهة, وكذلك الحشائش والفواكه والجوز والجذور المدفونة.
وفى تجاربنا التى نستعيد فيها الزراعة التقليدية المستدامة, نغذيهم ايضا على الشمام والبطيخ بنجاح كبير. فنحصل على حيوانات سليمة صحيا بدون مضادات حيوية ولا ادوية ولا اطباء بيطريين. وهكذا فى معسكرات اعتقال الدواجن الحديثة ومصانع البيض وسراديب الخنازير الحديثة, تعيش المخلوقات التعيسة هذه فى ظل ضغوط شديدة القسوة.
حان الوقت الذى نفضح فيه اكذوبة: ان الزراعة, فقط بطريقة التكنوقراط, هى الوحيدة القادرة على انقاذ الجنس البشرى من المجاعة. فالعكس هو الصحيح.
نحتاج الى اشكال جديدة من المحاسبة, التى عند اضافة ما يسمى بالإنتاجية او التقدم فى الزراعة, فانها ايضا تخصم منه كل الكلفة: كمصائب البشر, والتدمير البيئى, وضياع التنوع البيولوجى فى المكان المحدد. وحتى فقدان التنوع البيولوجى فى النبات الطبيعى حولنا! وهو ما يشكل خسارة اكثر فداحة. وهذا الجانب الاخر, سوف يزداد الان سوءا بصناعة البيوتكنولوجى التى يتدأولها المستثمرين الكبار. كما سوف نراه فيما سنورده ادناه. وما هو اكثر اهمية, وما هو اكثر حسما, اننا لن نحصل من كل ذلك على تنمية مستدامة على وجه الاطلاق.
واخير نسأل هل نملك الحق فى ان نتصرف كما لو كنا الجيل الاخير من البشر؟
صناعة الكتاكيت:


فى حالة عمليات صناعة الكتاكيت, من السهل علينا ان ندرك كيف تطورت مثل هذه الاساليب المدمرة. انا اتكلم عما لاحظته هنا فى جنوب البرازيل. وكما نعلم, فالبرازيل احدى كبار الدول المصدرة للحم الدواجن الى الشرق الاوسط واليابان. فنتيجة لملاحظات متواضعة جدا, حيث اعتقل بعض رجال الاعمال الصغار الفرديين الدجاج فى حظائر, واطعموهم الذرة, تجمع هذا النظام ونما الى الحد الذى وصلنا اليه. اليوم, توجد دستة من الشركات الضخمة الحجم وبعض الشركات الصغيرة. تقتل المجازر الكبيرة وتنظف وتقطع مئات الالاف من الفراخ يوميا.
انهم يعملون طبقا لقواعد وضعوها لانفسهم يسمونها التكامل الرأسى. يوقع المنتج على عقد مع الشركة, حيث يوافق فيه على شراء كل مستلزماته الداخلة فى عملية الإنتاج, وكذلك الكتاكيت الصغيرة وطعامها والادوية الخاصة بها من الشركة نفسها. حتى ولو كان فلاحا, وحدث ان لديه الكثير من الحبوب, لا يسمح له باطعام دواجنه من هذه الحبوب. يشترط العقد ان على الفلاح شراء عليقة جاهزه الصنع لدجاجه. وما عليه سوى بيع الذرة التى تنتجها ارضه لمصنع الاعلاف المملوك لنفس الشركة التى تمتلك ايضا المجزر والتى تمتلك ايضا مفرخة فقس الكتاكيت.
والمفرخة تدير نوع آخر من معسكرات الاعتقال حيث السجناء هم الديكة والفراخ حيث يخصص ديك واحد لكل عشرة فراخ
لا توضع الفراخ المنتجة للكتاكيت فى اقفاص ضيقة مثل زميلاتها نزلاء مصنع البيض. فهم يستطيعون الحركة بحرية داخل الحظيرة والقفز داخل اخنان ليضعن فيه البيض ويرقدن عليه. فى معامل البيض توضع الفراخ التعيسة كل ثلاثة منهن داخل قفص ضيق يسمى بالبطارية. لا يسمح لهن بالحركة. قاعدته من السلك الواسع الفتحات حتى يسقط البيض من خلاله على سير دوار يتحرك بالبيض الى مكان التجميع.
والكتكوت الذى تنتجه هذه المفارخ لم يعد من جنس الكتكوت الطبيعى الذى كان يعيش سابقا. فهم انواع جديدة مسجلة وممسوخة, مثلهم فى ذلك مثل نبات الذرة الممسوخ غير القادر على اعادة إنتاج جنسه مرة أخرى. وبعد شراء مستلزمات الإنتاج من الشركة التى وقع العقد معها لايستطيع المنتج بيع إنتاجه سوى لنفس الشركة فقط! انه حتى لا يستطيع البيع لاحد منافسى الشركة, فالمنافس ايضا لا يشترى منه.
وهكذا يترك هذا المنتج لاوهامه بانه يعمل عند نفسه منتجا صغيرا. ولكن حاله الحقيقى انه عبد يعمل دون ساعات عمل محددة, وبدون اجازات رسمية, وبدون اجازات اسبوعية, وبدون تأمينات ولا معاشات. فلو استخدمت الشركات الكبيرة عمالا مأجورين فلن يمكنها التصرف معهم على هذا النحو. وكانت ستتكلف تكاليف عالية وتتعرض لمخاطر جمة. لقد تركت الشركات كل تلك المخاطر للمنتج, كالخسارة نتيجة انتشار امراض الدواجن, مع تكلفة الادوية اللازمة والمضادات الحيوية, وضربات الشمس.
فهى احتمالات قائمة اثناء فصول الصيف القائظ, عندما يتعرض مئات من الدواجن بل قل الاف منها للموت فى الحظائر سيئة التهوية, ومكدسة. وكذلك الخسارة نتيجة نقل الدواجن, حيث تموت اثناء نقلها الى المجازر الالية داخل مقطورات النقل الضخمة. كل هذه المخاطر تسقط من حسابات تلك الشركات الضخمة. كما ان ارباح المنتج تنكمش باستمرار نتيجة الزيادة فى اسعار المستلزمات الداخلة فى الإنتاج, والانخفاض المستمر في الاسعار التى يبيع بها. هامش ربح المنتج ضئيل للغاية, هذا اذا ما سارت كل الامور سيرا حسنا بدون اى مشاكل. ولكنه يتلاشى تماما اذا ما اضطر يوما ما لاطعام دواجنه عددا من الايام اكثر من المحدد. عندها تتحول المسألة برمتها الى خسارة محققة. وذلك ما يحدث عادة. تبعث المجازر بسياراتها طبقا لجدول معد سابقا, لتمر على المنتجين من اجل تجميع الإنتاج الجاهز, وذلك طبقا للظروف التى تناسبها هى. واذا ما ارتفعت ارباح الشركات نتيجة لتحسن الاسعار فى أسواق التصدير فلا يعود ذلك بأى نصيب منها على المنتج.
لكل هذا, لا تفيد معسكرات اعتقال الفراخ, هذه, فى موضوع زيادة الإنتاجية, من اجل حماية البشر من خطر المجاعة القادم. بل انها فى الحقيقة تساعد على تفاقم المشكلة!
لانهم فى الحقيقة يركزون رأس المال والسلطة بخلق الاعتماد على الاخرين. لم يبتكر هذه الطرق فلاحون. انه لم يحدث ولا يمكن ان يحدث ان فلاح, من تقاليد فلاحية صحيحة, قدم معظم غلاله طعاما للفراخ. الا اذا كانت هذه الغلال معطوبة, وعزلت من بين مصادر غذائه الطبيعية. ويكون بذلك قد ضيع جزء من طاقة ارضه الاستيعابية المكرسة لغذاء البشر ومدمرا لجزء من حصاده.
ايضا هذه الاساليب ليست بسبب من مؤامرة يحيكها التكنوقراط. تنمو هذه المخططات بشكل طبيعى من بذرة أولية قد يكون لها نية مختلفة تماما. فى هذه الحالة كما كانت فى حالة الكيمياء الزراعية, كان القصد هو المجهود الحربى. ولكن المؤامرة تطورت عضويا مع الوقت.
تاريخ الصناعة الزراعية:

ففى الحرب العالمية الاخيرة, ابتدأت الحكومة الامريكية نظام تقديم الدعم المالى لإنتاج الحبوب. مما ادى الى فائض هائل فى الإنتاج. ولهذا بحثت السلطات الزراعية عن استخدامات غير انسانية للحبوب. وكانت مرحلة التكامل الرأسى هى مرحلة تلك اللحظة فى تركيز السلطة. وسرعان ما سوف يكتشفون وسائل لحظر تربية الفلاحون لدواجن تتجول بحرية عن طريق اصدار تشريعات خاصة! لقد حأولوا فعلا ولم ينجحوا. ولكنهم نجحوا فقط فى جعل عملية بيع الفلاحين الصغار لبيض هذه الدواجن الحرة مباشرة فى الأسواق, عملية فى غاية الصعوبة.
وفى حالة الذرة الممسوخة لم تكن هناك مؤامرة فى بداية الامر فقد جاءت المؤامرة فيما بعد.
اكتشفت المشاتل ان تهجين نوعين عاليى النقاء, من انواع الذرة, يتم الحصول عليهم بتوليدهم داخليا فيما بينهم لمدة من ثمانية الى عشرة اجيال, يحصل الفرد على نبات عالى الإنتاجية ذو احجام منتظمة تماما. ولابد ان الامر قد اصابهم بخيبة الامل عندما ظهر ان هذا التهجين لا يعطى نتيجة مستقرة فى جميع الاحيان. ولكن عند اعادة زراعة بذورها فشلت زراعتها طبقا لقوانين مندل الوراثية. حيث كان المحصول الناتج فى حالة من الفوضى الشديدة. سيقان طويلة وأخرى قصيرة. عيدان بكوز واحد من الذرة وآخر بعدة كيزان. مع اختلاف فى اللون والشكل واختلاف جودة حبوب الذرة.
لكن كان هذا الامر ذو ميزات عظيمة, من وجهة نظر تجار البذور! الان لا يستطيع الفلاح ان يحتفظ ببذوره. واصبح فى احتياج دائم لشرائها كل عام. فالمنتج لا يحتاج حتى لان يسعى للحصول على براءة اختراع. ولحسن الحظ فغالبية المحاصيل الأخرى, خاصة غلال الحبوب مثل القمح والشعير وغيرها, لم ينجح معها هذا النوع من التلقيح الجينى. ولم يصبح بعد ذو جدوى اقتصادية لاصحاب المشاتل. انهم يحأولون مع كل النباتات التى بامكانهم وضع ايديهم عليها. نجحت هذه الطريقة مع الفراخ.
ففى جنوب البرازيل يجب علينا تشكيل مؤسسة لحفظ الاجناس التقليدية للفراخ لان معظم هذه الاجناس مهددة بالانقراض. بعض هذه الانواع قد انقرضت. والانواع المسجله كماركات والمهجنة بالطريقة الحديثة فقط, هى التى لا تتعرض لهذا الخطر. وكما فى حالة الذرة فكل الاشكال التقليدية المتنوعة للذرة قد انتهت. اذا ما اراد فلاح ما زراعة احد انواعها اليوم فلن يكون باستطاعته الحصول على تسليف بنكى. لان البنوك لا تعتمد الا الانواع المسجلة, ولا تقبل اقراض سوى الماركات المسجلة فقط.
التعامل المباشر مع الجينات والمسمى حاليا بالبيوتكنولوجى, اى التكنولوجيا التى تتعامل على مستوى الكروموسومات, يعطى هذا التعامل اقصر طريق امام اصحاب المشاتل لفرض سيطرتهم على الحياة النباتية ورفع يد الفلاح عنها. ولكن حيث ان معظم المنتجات التى تنتج عن هذا التعامل يظل اثرها ساريا مع الاجيال التالية من المنتج, لهذا سوف يحتاج اصحاب المشاتل دائما الى الحصول على براءة اختراع. ولكننا سوف نعود الى هذا الموضوع مرة ثانية.
ولكن دعنا نرى أولا, لماذا كانت البذور وراء ظهور كيماويات الزراعة الحديثة؟!
كيماويات الزراعة الحديثة:
حتى نهاية الاربعينيات كانت الابحاث الزراعية تستهدف الحلول الطبيعية لمشكلاتها. وكان الافق ايكولوجيا, يحافظ على التوازن الطبيعى للبيئة, رغم انه لم يكن هناك وقتئذ اى ذكر لكلمة ايكولوجى. ولو سمح لهذا الاتجاه ان يستمر, لاصبح لدينا الان اشكال عديدة من الزراعة المستدامة عالية الإنتاجية المتوافقة مع بيئتها. ولكن بدأت صناعة الكيماويات, فى الخمسينات, تدبر امر وضع اطار جديد للزراعة, فى المدارس الزراعية, ومراكز ابحاث الزراعة وامتداداتها.
دعنا نسميه اطار NPK+P:
حرف N هو الحرف الأول من اسم عنصر النيتروجين باللاتينية
حرف P هو الحرف الأول من اسم عنصر الفوسفور باللاتينية
حرف K هو الحرف الأول من اسم البوتاس اى الكاليوم باللاتينية
اما حرف P الاخير فهو يمثل الحرف الأول من كلمة المبيدات الحشرية بالانجليزية Pesticide
وهذا المبيد هو اصلا نوع من انواع السموم.

الاسمدة الكيماوية:
اصبحت الاسمدة التجارية بيزنسا كبيرا بعد الحرب العالمية الأولى. فمنذ البدايات المبكرة للحرب, قطع حصار الحلفاء امداد الالمان من النيتروجين القادم من تشيللى. وهو العنصر الضرورى لصنع المتفجرات. وكانت العملية الكيماوية المسماة "هابر- بوش" لاستخلاص النيتروجين من الهواء الجوى, معروفة علميا, ولكنها لم تكن قد اصبحت بعد عملية صناعية تنتج احجاما تجارية من هذا العنصر. ولهذا انشأت المانيا منشآت إنتاجية ذات طاقة هائلة, وادارتها لتستطيع القتال لمدة اربع سنوات.
ويتعجب المرء على اى حال كان سيصبح عليه العالم, اذا لم تكن هذه العملية الكيماوية معروفة حينئذ؟!
الاجابة هى بالطبع, لم تكن الحرب العالمية الأولى لتبدأ, وكذلك معاهدة فرساى لم تكن لتوقع, وبالتالى لم يكن هتلر ليظهر!
وهكذا ترى كيف يمكن لعملية تكنولوجية واحدة ان تغير مجرى التاريخ.
وبانتهاء الحرب العالمية الأولى, ظل هناك مخزون هائل من النيتروجين, وطاقات إنتاج صناعى ضخمة معطلة. ولكن لم يعد هناك أسواق لتلك المتفجرات. حينئذ قررت الصناعة ضخ الاسمدة النيتروجينية نحو الزراعة. حتى هذه اللحظة, كان الفلاح راضيا عن اساليب التسميد العضوى فى الحفاظ على, وزيادة خصوبة ارضه. وكانت الماركات الشيللية مثل السلتبيتر, والجوانو تستخدم فى اضيق نطاق, ولعدة محاصيل مخصوصة, واساسا فى البستنة الكثيفة.

الاسمدة النيتروجينية فى شكل الاملاح شبه النقية, عالية التركيز, مثل اسمدة النترات والامونيا, هى نوع من انواع الادمان. فكلما استخدمت اكثر, اصبحت مضطرا لان تستخدمها على التوالى اكثر فاكثر.
وسرعان ما أصبحت هذه الأسمدة بيزنس كبير جدا. وهكذا طورت الصناعة مجموعة كاملة من اسمدة الفوسفات, والبوتاس, والكالسيوم, والعناصر الدقيقة. وظهر منها ما هو حتى قى أشكال من الأملاح المركبة فى شكل حبيبات, يتم رشها أحيانا بالطائرات.
المبيدات الحشرية:
أعطت الحرب العالية الثانية دفعة كبيرة لصناعة المبيدات الحشرية, التى كانت صغيرة, وتكاد أن تكون غير ذات مغزى. ولقد ساعدت هذه الحرب, فعلا, على أن تبدأ هذه الصناعة بمقاييس كبيرة.
اليوم تنتشر, عبر الكوكب كله, سموم تصل قيمتها إلى مئات المليارات من الدولارات. استخدمت الغازات السامة مرة واحدة فقط أثناء الحرب العالمية الأولى, ولكنها أحدثت تأثيرا مخربا على كلا الجانبين! ولذلك لم تستخدم فى تلك الحرب مرة ثانية أبدا.
ولم تستخدم الغازات فى المعارك اثناء الحرب العالمية الثانية, ولكن كثيرا من الابحاث اجريت آنذاك. وظهرت شركة "باير" من بين آخرين فى هذه اللعبة, وطوروا استرات حمض الفوسفوريك. واصبح لديهم بعد الحرب طاقات إنتاجية ضخمة, ومخزون هائل. وقرروا وقتها ان ما يقتل الناس, قادر ايضا على قتل الحشرات, فصنعوا تركيبات جديدة من هذه المواد. وباعوها كمبيدات حشرية!
لقد كانت مادة الـ "دى دى تى" معروفة كعجيبة معملية, عندما اكتشف "موللر", باحث معامل شركة "جايجى", انها تقتل الحشرات دون ان تؤذى البشر ظاهريا. وسرعان ما نبه "موللر" القوات المسلحة الامريكية بهذا الاكتشاف, لانها كانت تعانى من الملاريا فى منطقة الباسيفيك التى كانت تحارب اليابانيين فيها. واستخدمت هذه المبيدات بشكل غير محسوب تماما, لما اعتقدوه وقتها من انعدام آثارها الجانبية الضارة. حيث تم رشه على مساحات واسعة من الاراضى وحتى داخل المنازل وتحت ملابس البشر.
وقبل نهاية الحرب بوقت قصير, كانت هناك طائرة حربية امريكية فى طريقها الى "مانيلا", بالمحيط الهادى, محملة بكميات ضخمة من مادة " D 2,4 T2,4,5 " شديدة السمية للنبات. كانت النية متجهه الى تجويع اليابانيين, بتدمير محاصيلهم عن طريق رشها بهذه المواد السامة من الجو. ولكن الامر كان قد فات أوانه. فقد صدرت الأوامر لحاملة الطائرات بالعودة, قبل أن تصل إلى هدفها, لان مجموعة أخرى من الطائرات الأمريكية كانت قد أسقطت قنابل ذرية على هيروشيما ونجازاكى, لتنسج القصة التى يعرفها كل شخص منا. ووقع اليابانيون على طلب الهدنة.
وجرت وقائع نفس القصة. كميات هائلة من الطاقات الإنتاجية, ومخزون ضخم, ولا يوجد مشترى. وأعيد صياغة هذه المواد كمبيدات حشائش, وتم ضخها للفلاحين.
فيما بعد اثناء الحرب الفيتنامية, رش الجيش الامريكى بشكل طائش ما اسموه بالمعامل "البرتقالى", والوان أخرى, على ملايين الهكتارات من الغابات الاستوائية, مدعين انها فقط مادة رغوية تكشف قوات العدو المختبئة!! والحقيقة ان هذه التركيبات احتوت على تركيزات عالية من مادة "D 2,4,5" التى دمرت هذه الغابات بالكامل.
خططت الصناعة ونفذت الاستيلاء, بشكل يكاد ان يكون كاملا, على مراكز البحث الزراعية, واعادت توجيهها لاغراضها الخاصة. وذلك كى تحافظ, فى وقت السلم, على ما اصبح حجم اعمال كبير وقت الحرب. وربطت بهذه المراكز ايضا المراكزالبحثية الرسمية وفروعها, بالاضافة الى مدارس الزراعة. وشكلت جماعات ضغط سياسى لاصدار احكام وتشريعات لصالحها. وانشأت نظم بنكية لتسليف الفلاحين, تبدو ميسرة.
وبذلك كله, خلقت للفلاح وضعا صعب الافلات منه ولا يوجد له بديل.
واليوم تقبل معظم مدارس الزراعة الاطار الذى تدور فى فلكه الزراعة, دون ادنى تساؤل. وكذلك المعاهد والمراكز البحثية!
كما ان الغالبية من الفلاحين, حتى هؤلاء الذين طردوا من الزراعة, يؤمنون بها. وغالبا ما يلومون انفسهم على عدم مقدرتهم هم على التعامل معها.
حدث كل ذلك, ليس كنتيجة مؤامرة مع سبق الاصرار والترصد من مجموعة من الاشخاص ذوى العقول الشريرة, ولكنها فقط تطورت وارتفع بناؤها من انتهازية للظروف وراءها انتهازية أخرى. للحد الذى يصل فيه الأمر إلى أن تكنيك جديد, او عملية ما, او تشريع ما, يعطى بعض الأشخاص او بعض الهيئات ميزة أفضلية ما, فيدفع هذا التكنيك إلى الصدارة ويتم حمايته وبناءه أيديولوجيا. أما البدائل التى لا تساير مواطن النفوذ المتعاظمة تلك, فتحارب او يتم تجاهلها او يستهزأ بها.

البايوتكنولوجى:

والآن فى حالة "بايوتكنولوجى" الزراعة, الذى تسيطر عليه الشركات المتعدية الجنسية الكبيرة, يبدو أننا نخضع لمؤامرة كبرى حقيقية. ويبدو أن حجم ومدى الدمار, الذى سوف يلحق بنا, يصل إلى إبعاد لا يمكن إصلاحها, ولا نظير لها فيما شاهدناه من تخريب حتى الآن.
فالقضية الرئيسية هنا, ليست فى ما إذا كان طعامنا سوف يصبح لهذه الدرجة رديئا. ويمكن حتى انه قد يكون ضارا. بالرغم من أن الاحتمالين قائمان فعلا!
ولكن المسألة, مرة أخرى, هى إضافة مؤسسات جديدة تخلق اعتمادية عليها. المسألة هنا هى مسألة الهيمنة على ما بقى من الفلاحين, وتضييق فرص الاختيار أمام المستهلك.
التنوع البديع للمزروعات, الذى كان فى متناولنا, ولا زال إلى اليوم, إلى حد ما, بين أيدينا بعد الخسارة الفادحة التى سببتها لنا الثورة الخضراء خلال العقود القليلة المنصرمة, هذا التنوع, كان نتيجة انتخاب واعى او غير واعى من الفلاحين انفسهم طوال قرون وقرون بل والفية وراء الفية من السنون. فقط تذكروا العائلة النباتية المسماة "الكروسيفيرى", فهى تتضمن الكرنب, والكرنب الصينى, والفجل, والمسطردة, والقرنبيط, والبروكلى, وأصناف أخرى عديدة. لم يطالب احد من هؤلاء الفلاحين, يوما ما, ببراءة اختراع أو تسجيل منتج أو شهادة لأنواعها.
تريدنا الصناعة اليوم, مثل "مونسانتو", قبول تعديلاتهم الجينية لهذه الثروة الموجودة مسبقا, مثل نوع من فول الصويا الذى تنتجه, بمنطق أنهم يزيدون من معدلات العمليات التى يحتاجها إنتاج الغذاء. وانهم بذلك يساهمون فى حل مشكلة تغذية البشر. انهم حتى يصرون على انه لا توجد طريقة أخرى سواها.
انهم يعلمون تماما ان هناك بدائل افضل واكثر سلامة للصحة وارخص. ويعلم كل فرد انه يجب ان تجد الزراعة طريقا يخلصها من تلك السموم, لاننا نمتلك المعرفة الضرورية. والبرهان على ذلك هو وجود الالاف من المزارعين العضويين فى ارجاء العالم.
تريد الصناعة بيع حزمة من المنتجات معا: بذور ومبيدات الحشائش معا, باختراع المزروعات المقاومة لمبيدات الحشائش, باجبار الفلاح على استخدام مبيد الحشائش, حتى ولو كان فى غير حاجة اليها. وفى حالة مثل النباتات السيئة السمعة, ذات الجين القاتل, تتضح المؤامرة اكثر فاكثر. فبمثل هذا النوع من البذور, لا يضطرون فى الدخول فى مشاكل طلب الحصول على براءة اختراع. وهذا جميعه لا علاقة له من قريب او بعيد بموضوع زيادة الإنتاجية. انه تتويج لعملية نزع ملكية الفلاح من ممتلكاته الاصيلة, وتحويل الفلاحين الموجودين الان الى مجرد زوائد للصناعة.
انها سوف تفاقم مسألة انتزاع الفلاحين من اراضيهم, وتزيد التمزق الاجتماعى, وتزيد من تخريب البيئة, وفقداننا للتنوع البيولوجى فى الطبيعة, وفى مزروعاتنا. انها سوف تتسبب فى استفحال الجوع!

برامج قيد ألإنجاز

المنتدى الاجتماعي العالمي 2013