المجتمع المدني بين المواجهة والتوافق
يتضمن المجتمع المدني عادة تنوع في المجالات، الاطراف، والاشكال التنظيمية المؤسسية، تختلف في درجة الرسمية في الشكل، الاستقلالية والنفوذ. تتشكل منظمات المجتمع المدني عادة من منظمات خيرية مسجلة، منظمات تنموية غير حكومية، مجموعات مجتمعية، منظمات نسائية ، منظمات ذات خلفية دينية، منظمات مهنية، نقابات، مجموعات تضامن وتعاون، منظمات لرجال الاعمال، تحالفات وشبكات، مجموعات دفاعية."
وفي تعريف أخر من ورش عمل لمركز دعم التنمية " فأن المجتمع المدني يتشكل من كافة المبادرات والمنظمات التي تنبع من المجتمع وأفراده والمستقلة عن الدولة والقطاع الخاص الربحي (السوق) والاسرة. وتضم في ذلك كافة الاشكال الرسمية او غير الرسمية او تلك في طور التشكيل وتتنوع لتشمل الروابط والنقابات والجمعيات (المحلية والقومية الوسيطة) والتجمعات المؤقتة والدائمة"
وتظل قضية الاحزاب السياسية قضية محل جدل خاصة تلك التي تكون في السلطة السياسية. وأعتقد أن المحك الرئيسي هو درجة الاستقلالية الضرورية التي يجب علي الحزب حتي وان كان يشكل أغلبية برلمانية ويتسلم الحكم او يشارك فيه أن يحافظ عليها.
لماذا اكتسب المفهوم أهمية خاصة للجدل والحوار في العقدين الأخيرين علي وجه الخصوص
لا شك ان هناك العديد من العناصر ساهمت بشدة في طرح قضية المجتمع المدني واهميته علي بساط البحث وعلي الاجندة الدولية والعربية والمصرية. وقد جاء الاهتمام الجديد من قبل تيارات مختلفة تتراوح من أقصي اليمين الي أقصي اليسار ويمكن تحديد اهم التيارين الذين ساهموا في الجدل الحادث والحركة نفسها في تيار الليبرالية الجديدة من جانب وتيار اليسار الجديد من جانب آخر:
فقد لعبت تجربة انهيار المعسكر الاشتراكي من قبل منظمات وتكتلات وتجمعات جماهيرية يمكن إطلاق عليها "منظمات للمجتمع المدني"- اي خارج جهاز الدولة- حتى وإن ساهم في هذا الانهيار كتل داخل الاحزاب الشيوعية ذاتها- دورأ هاماً في حدوث هذا الانقلاب التاريخي.
فقد رأت هذه القوي في المجتمع المدني بالنسبة لها الدالة المنشودة لتقويض المنافس التاريخي في أنحاء العالم وتوطيد دعائم النظام الرأسمالي العالمي وهيمنته وهيمنة سياسات النيوليبرالية بما في ذلك "حرية التجارة"، وتحرير الأسواق الداخلية للبلدان التي كانت تحت اقتصاد الدولة الموجه في الشرق والجنوب، وسياسات الخصخصة وتحويل كافة القطاعات الاقتصادية والخدمات الى قطاعات سلعية تحكمها اقتصاديات السوق تهيمن عليه الاحتكارات الدولية في المركز اي في الشمال.
وليس من المستغرب ان تطرح هذه القوى تعريفاً للمجتمع المدني يضم القطاع الربحي وتدعوا الي "الشراكة" بين القطاعات الثلاث. وفي المقابل تطرح دوراً هاماً من وجهة نظرها لمنظمات المجتمع المدني ألا وهو المشاركة في تقديم الخدمات من أجل تخفيف العبء علي الدولة، اي القيام بدور مقدم للخدمات خاصة للفئات الفقيرة التي لا تقع في دائرة اهتمامات القطاع الخاص من جهة، وفي سياق دعوتها لقطاع الدولة للتخلي عن دوره ومسؤوليته في تقديم الخدمات الأساسية للشعب وخاصة قطاعاته الفقيرة من جهة أخرى.
وفي المقابل فان اليسار الجديد في الغرب وكذلك في دول العالم الثالث وفي المنطقة العربية، خاصة بعد تجربة انهيار المعسكر الاشتراكي من جانب وكذلك فشل العديد من التجارب اليسارية طرحت الاهتمام "بالمجتمع المدني" كاضالة المنشودة. وقد حمل ذلك نقد ورد فعل علي عدد من القضايا التي ميزت الحركة اليسارية مثل:
• التركيز السابق علي البعد السياسي البحت في حركتها وتركها ساحة الارتباط بالمجتمع وهمومه وأولوياته والالتحام معه من خلال منابره المتنوعة وإيجاد منابر جديدة غير تقليدية لتحقيق هذا الارتباط.
• إدراك أهمية الارتباط بالفئات المهمشة بالمجتمع علي تنوعها في مقابل التركيز الكلاسيكي علي الطبقة العاملة بكل مشاكل ذلك الخاصة في البلدان النامية ذات التطور غير المتكافيء.
• أوحادية تصور حل تناقضات الفئات المهمشة المختلفة والمتنوعة وتحقيق مصالحها من خلال التركيز علي حل التناقض الرئيسي، سواء كان ذلك فيما يتعلق بالقضية الوطنية أو بالقضية الطبقية (التناقض بين رأس المال والعمل المأجور. وبالتالي تنحية كافة التناقضات والمصالح الاخري كتناقضات ثانوية ستحل عندما تحل القضية الرئيسية ، مثل قضايا المرأة، الاقليات الاثنية والدينية، ساكني المناطق الشعبية ..الخ.
• التخلي المتزايد عن تصور التغير الاجتماعي عن طريق الهجوم المفاجئ في مقابل العمل التراكمي طويل الامد من خلال مساعدة الفئات المهمشة المختلفة علي حركتها المستقلة وتنظيم نفسها وإرتقاء وعيها بمصالحها، الامر الذي أدي الي اتهام هذا التيار بالإصلاحية والإقتصادية من قبل التيارات الأخري في اليسار التي رفضت هذا المنحي.
و في مصر علي وجه الخصوص لا شك أن خبرة صعود تيار الإسلام السياسي خاصة استفادته- ضمن أشياء أخري ليست مجال البحث هنا- من استخدام الاشكال الخدمية كمدخل للناس مثل المستوصفات والعيادات الشعبية وغيرها لفتت نظر اليسار الي غيبته عن مجالات غاية في الحيويه إذا اراد ان يشكل تياراً مؤثراً في المجتمع من ناحية وأن يحقق تغيرات في صالح الناس وصالح مبادئه من جهة أخري دون الانتظار للحظة التغيير الكبري التي تحل فيها كافة التناقضات دفعة واحدة.
وفي المقابل فقد دخل معترك العمل المدني العديد من التيارات والكتل الجديدة التي لم ترتبط بهذا التيار او ذاك او علي الأقل بخبرته التاريخية مثل المجموعات الشبابية الجديدة والبلوجرز والتجمعات النسائية والمنظمات التي تعمل علي حقوق بعض الفئات المهمشة مثل المعاقين والأطفال ...الخ.
و لا يجب ان ننسي عند الحديث عن منظمات المجتمع المدني الآلاف من التنظيمات البدائية مثل روابط القرى المحلية التضامنية التي تتشكل من مهاجري الكفور والقرى في المدن والأحياء الشعبية والتي تشكلت لدعم وحماية بعض المصالح الاجتماعية والاقتصادية لأعضائها.
المجتمع المدني في مصر ومحطات أساسية في التطور
من الصعب الحديث في هذا المجال عن تطور المجتمع المدني في مصر فذالك يحتاج الي بحث أخر. ولكن من المفيد من أجل فهم التحديات التي واجهتها منظمات المجتمع المدني ومن أجل نظرة متفحصة لعدد من الاستراتيجيات المواجهة والدروس المستفادة فيجب علي الاقل النظر الي بعض ملامح هذا التطور، خاصة فيما سأطلق عليه المنظمات ذات التوجه الحقوقي سواء كانت تعمل علي المستوي القومي والوسيط او بعض المنظمات التي تعمل علي او تركز علي العمل في المجال التنموي وداخل المجتمعات المحلية.
وسأذكر ثلاث محطات رئيسية من وجهة نظري لتطور تشكل هذه المنظمات من حيث العدد، الاستراتيجيات وكذلك التحديات الخارجية والداخلية.
النشأة الجديدة من منتصف الثمنينات الي منتصف التسعينات (مؤتمر السكان بالقاهرة)
التطور الثاني والمواجهة (منذ النصف الثاني من التسعينات الي بداية الالفية الجديدة
التطور الثالث: خلال الالفية الجديدة الي اليوم
ملامح المرحلة الأولي (النشأة نهاية الثمنينات)
يمكن القول بأن دخول بعض التيارات الحقوقية جديداً الي معترك نشاط المجتمع المدني يعود الي أواخر الثمانينات. ولا شك ان تشكل المنظمة المصرية لحقوق الانسان كان اول تعبير كبير عن هذه الحالة الجديدة وواكب ذلك في الفترة نفسها- سواء قبل ذلك او بعده- دخول محدود لعدد من المنظمات التي تعمل في مجالات الحقوق الفئوية والحقوق الاجتماعية كالصحة والمرأة والعمال والبيئة ...الخ
ولقد شكل التحدي الأول أمام هذه المنظمات والذي ساهم في جدل واسع داخل "النخبة" السياسية اليسارية علي وجه الخصوص كان قضية التمويل الأجنبي.
فبالرغم من ان العديد من المحاولات الأولي نشأت دون تمويل خارجي واعتمدت لا علي الجهود التطوعية لأفرادها حاملي الفكرة فقط بل علي تمويلهم الشخصي للأنشطة، فقد واجهت هذه المنظمات تحدي عجز التمويل الداخلي المتاح عن إحداث تراكم مؤسسي قوي يستطيع تحقيق أثر متراكم من خلاله في الواقع.
وكان لفشل التجارب التي حاولت الجمع بين المشاريع المدرة للدخل التي تمول النشاط عن طريق خدمات تعمل علي الجمع بين الجودة والإتاحة، أثرا أيضا في التعجيل بطرح قضية التمويل الخارجي خاصة في ظل بداية وضوح الفرص لتمويلات غير مشروطة من جهات أجنبية تلتقي أجنداتها في العديد من القضايا بأجندة هذه المنظمات ولا تتعارض معها علي الأقل. وبالرغم من ذلك فقد أدت هذه القضية الي حدوث صدع بين النخبة المثقفة حول هذه القضية وتباينت مواقف رفض التمويل الأجنبي من اعتباره خيانة وتعامل مع جهات في نهاية الامر غربية ومعادية مرورأ بإعتباره تحويل لمجري النضال في اتجاه عمل إصلاحي وصولا الي الاسترزاق...الخ. وإذ خفتت حدت هذه المواجهات الي حد كبير جداً الا انها مازالت مستمرة عند البعض حتي يومنا هذا.
وقد اتسمت المرحلة الأولي في مجال الأنشطة ببداية تكوين أوضاع مؤسسية أولية مثل مكان للقاءات وعقد الأنشطة، توفير حد أدني من العمالة المدفوعة التي تحافظ علي المكان وتعمل علي دعم المتطوعين الذين شكلوا في تلك الفترة القطاع الأعظم للمشاركين في هذه المنظمات.
اتسم طابع الأنشطة من الناحية الأساسية بالتركيز علي مجالات خوض الحوارات وعقد المؤتمرات وإصدار المطبوعات اي الأنشطة ذات الطابع الفكري والسياسي الاجتماعي.
ولقد اتسمت هذه المرحلة بانقسام شديد بين منظمات المجتمع المدني الوليدة والأحزاب السياسية
المرحلة الثانية: التسعينات ومؤتمر السكان
صاحب النصف الأول من التسعينات بداية توسع في التجمعات التي تسعي الي تنظيم نفسها في أشكال رسمية.
وفي مواجهة القيود الشديدة الموضوعة من قبل قانون تنظيم العمل الأهلي فقد أخذت أغلبية هذه التنظيمات شكل "المنظمات المدنية غير الهادفة للربح" ولقد ساعد هذا الشكل علي تحرير العديد من المنظمات، وخاصة التي تعمل في مجالات حساسة مثل حقوق الإنسان والعمال...الخ، من القيود الإدارية التي كانت كفيلة اما بتعطيلها او بوقف أنشطتها وشل فاعليتها.
وجاء مؤتمر السكان في 1995 ليحدث تحول هام في تطور المجتمع المدني في مصر. فلقد شارك في هذا المؤتمر الدولي لأول مرة عدد هام من منظمات المجتمع المدني المصري الحقوقية مع منظمات مجتمع مدني عربية وأجنبية بجانب الحكومة المصرية وحكومات أخري.
وإذ شكل المؤتمر مجال واسع لأول مرة للتعارف بين المنظمات غير الحكومية وبعضها البعض محلياً وعربياً ودولياً فقد ساهم ايضاً فى مشاركة هذه المنظمات بمواقفهم المعارضة او المتمايزة عن الموقف الحكومي الرسمي الي تعاظم الاحساس بالتوتر من الحكم مع تلك المنظمات.
وعلي مستوي العلاقات الداخلية بين منظمات المجتمع المدني المحلية فقد حدث بداية تعارف جديد من قبل المنظمات الحقوقية "الجديدة" علي عدد من المنظمات القديمة التنموية التي لها امتدادت جماهيرية اوسع. تلك المنظمات التي اعتبرتها الاولي لفترة من الزمن منظمات خدمية وخيرية فقط. ولقد كان لهذا التعرض والحوارات أثر في بداية توسيع رقعة التعاون بين هذه الاطراف والتفاعل الايجابي بينهم وبين خبراتهم. ويمكن القول ان العديد من المنظمات "التنموية التقليدية" بدأت في تبني بعض المداخل الحقوقية كما بدأ عدد من المنظمات الحقوقية في التعلم من خبرة هذه المنظمات في التنظيم والتعامل مع الناس في المجتمعات المحلية وشد انتباههم الي أهمية الولوج الي مثل هذه المجالات والتعاون مع من يعملون بها.
وقد شهدت المرحلة التي سبقت المؤتمر وخاصة التي تلته في تشكيل العديد من المنظمات الجديدة ذات المدخل الحقوقي وغيرها مثل منظمات للفنانين الذين يبحثون عن شكل خارج هيمنة الدولة من جانب وشروط السوق من جانب أخر لتعبر عن بداية تطور جديد في طبيعة منظمات المجتمع المدني في مصر وتنوعه.
ويمكن القول ان هذه المرحلة شهدت أيضاً بداية صدام حول قانون الجمعيات وتشكل اول ائتلاف حول القانون بين عدد واسع من المنظمات الاهلية والتي جمعت بين المنظمات ذات المنحي الحقوقي الجديدة مع بعض من المنظمات التنموية "التقليدية".
وإذ خرج القانون في نهاية الأمر في صورة ليست أفضل كثيراً من القانون السابق فقد شكل هذا تحدي جديد أمام المنظمات الحقوقية والتي تحول فيها العديد منهم من شكل الهيئات المدنية الي شكل المؤسسات المسجلة تحت وزارة الشؤون الاجتماعية. وبالرغم من هذا القانون والفشل المؤقت لعمل هذه الهيئات والتراجع المؤقت في مواجهة التضييقات الإدارية الا انه سرعان ما توسع العمل الأهلي مرة أخري خاصة في الألفية الجديدة. ولقد لعبت المنظمات الدولية التي تعرفت علي صوت المجتمع المدني الحقوقي في مصر دوراً هاماً في مساندة هذه المنظمات في مواجهة التهديدات الادراية والقدرة علي استمرار العديد منها.
الألفية الجيدة ومرحلة التوسع في العدد والتنوع والتأثير وتحديات جديدة
اتسمت الألفية الجديدة أي ما يقرب من العشر سنوات الماضية بتوسع جديد لعمل منظمات المجتمع المدني سواء كان ذلك من ناحية العدد أو التنوع وأيضاً التأثير. وفي المقابل وضحت أكثر من ذي قبل تحديات جديدة عبرت عن تداخل التحديات الخارجية مع تحديات داخلية مرتبطة بالتكوين الهيكلي والبنيوي لهذه المنظمات.
ولقد شهدت هذه السنوات، التي يصعب وضعها في مرحلة واحدة، أحداث كبري أثرت علي المجتمع ككل من جانب وكذلك علي عمل تلك المنظمات من جانب أخر.
فلقد كان للانتفاضة الفلسطينية الثانية بداية من عام 2000 أثر علي تحرك الواقع المصري ثم الأحداث التي تلت ذلك من انفجار برجي التجارة العالمي والغزو الامريكي الاول للعراق ثم الغزو الثاني أثراً شديداً علي تطور الحراك السياسي في المجتمع المصري.
ولقد كان للمنظمات الحقوقية بعض من الفاعلية في احتضان هذه التحركات والدفاع عن العناصر التي تدخل فيها. ولقد أدي ذلك الي تزايد الاقبال علي تلك المنظمات من شباب جديد من ناحية وكسر الحصار الذي كان مضروب عليها من ناحية اخري من قبل الاحزاب السياسية التي بدأت في التعاون مع تلك المنظمات.
وقد شهدت هذه المرحلة ايضاً تشكل شبكات عديدة علي المستوي المحلي والعربي وحتي العالمي لتشمل العديد من القضايا مثل الحقوق النقابية والعمالية، الحقوق الاقتصادية والسياسية، التعذيب وحقوق المرأة الخ.
وشاهدت ايضاً تشكل تحالفات في حملات قومية هامة كان لها تأثيرها علي الساحة السياسية والاجتاعية في مصر.
وفي المقابل نشأت شبكات للعمل المشترك بين عدد من المنظمات الوسيطة والمنظمات المحلية التنموية وتأسست منظمات محلية جديدة تعمل من منطلق حقوقي في التنمية.
وبالرغم من هذه التطورات الايجابية الا ان هذه الفترة شاهدت وتشاهد تحديات خطيرة تعتبر حصيلة كما ذكرت لتفاعل التحديات الخارجية مثل التمويل والخناق الاداري علي عمل المنظمات مع هشاشة الاوضاع المؤسسية من جانب وهشاشة قدرة هذه المنظمات علي التمثيل والمحاسبة من قبل الفئات التي يعملون علي الدفاع عنها اي جمهورهم.
وسأعمل في الجزء اللاحق علي تلخيص بعض من التحديات الهامة من خبرة عملي وخاصة من خبرة العديد من تجارب التقييم والتخطيط الاستراتيجي لعدد هام من هذه المنظمات والشبكات.
تحديات و استراتيجيات وواقع التطور
التطور بين التوافق والمواجهة
لقد واجهت الموجة الجديدة لمنظمات المجتمع المدني ذات المدخل الحقوقي تحديات عديدة منذ نشأتها. وقد واكبت هذه التحديات تطور هذه المنظمات. ولقد كان لهذا التطور أن يكتسب ملامح أساسية ناتجة عن تفاعل التحديات الخارجية مع تحديات داخلية ارتبطت بهيكلية هذه المنظمات واستراتيجيتها في التعامل مع تلك التحديات.
ويمكن تلخيص اهم التحديات في تفاعل ثلاث قضايا رئيسية وهم
1. تحدي الخناق الاداري والقانوني لنشاط تلك المنظمات
2. قضية استمرار الاعتمادية علي الدعم والتمويل الخارجي،
3. قضية المحاسبة وتحقيق المشاركة الحقيقية للفئات التي تعمل او تدعي هذه المنظمات تمثلها او الدفاع عنها.
بناء مؤسسات في ظل الخناق الادري والقانوني وتناقضاته:
لقد كان أول تحدي للمنظمات الناشئة هو تحدي خلق مؤسسة أي تحدي "المأسسة" فالانتقال من حركة لأشحاص او مجموعات تحمل فكر ورؤية الى شكل مؤسسي بمقدار ما يوفر درجة هامة من الاستقرار للانشطة والقدرة علي المتابعة والتوسع من خلال وجود مقرات وعمالة متفرغة ...الخ فأنه يضع علي عاتق المؤسسين عبء إضافياً جديداً شديد الخطورة إذ لم يتم التعامل معه من خلال استراتيجيات فعالة تدرك مخاطره وتعمل علي وضع آليات لمواجهتها.
فبعد الدخول في بناء مؤسسي مباشرة هناك مسؤولية توفير موارد مالية شهرية... فهناك مقرات وأنشطة وحقوق عاملين متفرغين سواء كان ذلك تفرغ كامل او بعض الوقت.
والتحدي الاول هنا بجانب الشرط المادي هو العرضة لأن يصبح هدف الحفاظ علي المؤسسة واستمرارها هدف في حد ذاته. وهذه المسؤولية قد تتعارض- ومن المنطقي ان تتعارض في بعض الاحيان، مع التوجه الذي تحكمه الرؤية والرسالة الخالصة للمؤسسين. ويصبح هذا التحدي أكثر قوة في الحالة التي تشكل فيها رسالة المؤسسة وأنشتطها المنبثقة عنها والتي نشأت من أجلها هذه المنظمات، تهديدا قد يؤدي الي إغلاق المؤسسة او إعاقة عملها وشله.
ففي هذه الحالة تصبح القيادة والإدارة امام معضلة في الاختيار وكما يقال "ممسوكين من الإيد اللي بتوجعهم". وفي كثير من الاحيان تدفع هذه الاوضاع بالمؤسسات ان تأخذ الطرق الآمنه والتي تقود- في العديد من الاحيان- اما الي التخلي عن رسالتها الاصلية او تهميشها والاكتفاء بالحديث اللفظي عنها بدلاً من العمل الحقيقي باتجاهها.
ولم تكن المنظمات الأهلية هي الحالة الفريدة في ذلك، بالرغم من إنها الأكثر عرضة، فقد سبقها العديد من الاحزاب السياسية التي تحولت من حركة او حركات شعبية تطمح للتغير الجريئ الي "مقرات" وجريدة أصبح ثمن الحفاظ عليها التوافق المستمر مع متطلبات النظام الحاكم حتي وإن أدي ذلك ألي فقدان مبر وجودها الاصلي وبالتالي جمهورها.
أما التحدي الثاني والمرتبط بذلك بقوة فيمكن إطلاق عليه تحدي سيطرة "الموظفين" علي المؤسسة وتهميش الاعضاء والمتطوعين حتي وأن كانوا هم حاملي الرسالة الاساسيين.
فمع المأسسة تتراكم في أيدي العمالة المتفرغة، "المدير التنفيذي والعاملين" خطوط الاتصال والتواصل وما يطلق عليه مفاتيح المعلومات والعمل. في الوقت نفسه فأن المتطوعين سواء كانوا في مجلس الادارة او في الجمعيات العمومية فأنهم تلقائياً يجدون انفسهم مهمشين خاصة في ظل ضيق الوقت وعدم التفرغ.
وفي الكثير من الاحيان يجد الاعضاء انفسهم خاليين من العمل بل وعبء علي العاملين المشغولين بمتابعة المشاريع وكتابة مشروعات جديدة وتقارير تكتب في الاغلب باللغة الاجنبية للممول قبل ان تكتب باللغة العربية لأعضاء المؤسسة او جمهورها.
وفي كل الاحوال يشكل هذا التحدي خطراً حقيقياً سواء كان ذلك علي مستوي حرف المؤسسة عن رسالتها الحقيقية ام تحويلها الي مؤسسة موظفين وتفقد اعضائها وجمهورها الذي يتم بالتدريج تهميشه الفعلي ولا يتم استدعائه الا للاجتماعات والمباركة...الخ. وتفقد بذلك المؤسسة ايضاً تواصلها وتمثيلها حتي لأعضائها إن لم نقل جمهورها الذى يجب ان تفعله وتعبر عنه وتكتسب مصداقيتها وشرعيتها منه.
بناء المؤسسات وقضية التمويل
وتتفاعل بشدة هذه التحديات مع قضية الاعتماد علي التمويل الخارجي. ولا أحصر ذلك في التمويل الاجنبي، رغم حساسيته التاريخية لكني أقصد بذلك تحديداً التمويل المعتمد علي غير الأعضاء أو المتعاطفين من جمهور الحركات.
فالمعضلة الاساسية في مثل هذه الاشكال من التمويل، المتاحة حالياً في أغلب الأحوال، سواء كان ذلك من قبل قطاع خاص ربحي مصري او عربي أواجنبي، أنها في الأغلب غير قابلة للأستدامة وغير متكافئة. فاستدامة التمويل مرتبطة بمدي التوافق أو الاحتياج لعمل المنظمة من قبل الممول بغض النظر عن طبيعته. فمصريته من عدمها ليست القضية الحاسمة ولكن التوافق مع أهداف المؤسسة ومنهج عملها واولويات اجندتها هي القضية الحاسمة. أما عدم التكافء فهو مرتبط بميزان القوي الذي يحدد الاحتياج والقدرة علي الضغط من قبل الطرف الذي يتم تمويلة علي الممول والعكس أيضاً.
وإذا كانت الاتهام الاكثر شيوعاً لقضية التمويل الخارجي كان و مازال، هو الخضوع لأجندة الممول الخارجي، فالحقيقة أن هذا الاحتمال الاكثر فجاجة لم يكن المعضلة الاساسية. ولكن مربط الفرس هو في أن الخلل القائم في نوع العلاقة والتوازن يؤدي في كثير من الاحيان وبشكل تدريجي الي عدة مشاكل منها علي سبيل المثال لا الحصر:
• تعديل أولويات أنشطة المنظمات وليس بالضرورة أهدافها، لتتوافق من أولويات الممولين لنوع الانشطة المطلوبة.
• التقديم لمشاريع متعددة، التي يتاح فيها التمويل مما ينعكس علي هيكلية المؤسسات تدريجياً، لتصبح أكثر فأكثر ما يمكن إطلاق عليه "المؤسسة المشروع" بدلاً من المؤسسة الرسالة". ويلاحظ ذلك جيداً بان يتخذ هيكل المؤسسة شكل الوحدات التنظيمية المبنية علي المشاريع وليس البرامج.
• تحول الاهتمام بالمحاسبة من الاعضاء والجمهور الي المحاسبة من قبل الممول. وليس من المستغرب أن نجد أغلبية تقارير المؤسسات مكتوبة باللغة الاجنبية قبل أن تكون بالعربية.
القيادة والتمثيل والمحاسبة:
في ظل الاوضاع سابقة الذكر تأتي قضية التمثيل والمحاسبة لتشكل أحدي التحديات الكبري وربما الاهم. وتاتي أهمية الموضوع ليس فقط من حيث تأثيرها علي مصداقية المؤسسة وشفافيتها وعلاقة ذلك بقضية وجود فساد والافساد من عدمه، بالرغم من أهميتهم، ولكن أهم ما في الموضوع انها يمكن أن تشكل في الحقيقة أحدي المخارج الاستراتيجية في مواجهة تحديات "الاستقلال والتأثير في مواجهة التوافق والتكييف مع الوضع القائم.
وقد يكون من المفيد هنا التعرض لوضع قضية القيادة والهيكلية التي تتخذها منظمات المجتمع المدني في مصر من منظور طبيعة نشاءتها الخصوصية في بلد مازالت تسود فيه أنماط التطور غير المتكافيء وتتجاور فيه أنماط الانتاج.
لقد تبنيت في السابق تعريف منظمات المجتمع المدني من زاوية تاريخية، كتعبيرعن احتياج المواطنين في المجتمعات الرأسمالية، الي خلق مؤسسات او تنظيمات جديدة متنوعة كشبكات حماية ودعم ودفاع، كبديل للأشكال القبلية و الطائفية والعائلية الممتدة التي كانت سائدة في ظل العلاقات ما قبل الرأسمالية. ولكن التطور الا متكافيء للعلاقات السائدة في البلدان التي لم يتطور فيها النمط الرأسمالي الصناعي بهذا النقاء، يعقد أيضاً الاشكال التي يتخذها منظمات المجتمع المدني حيث تتجاور العلاقات الجديدة جنبا الي جنب مع زيول قوية للعلاقات القديمة وفي ظل الضعف الشديد للشبكات الجديدة التعاضدية. وفي الحقيقة انه مازالت العلاقات التعاضدية المعتمدة علي العائلة الممتدة، والعلاقات القبلية والمحلية، أيضاً موجودة وتلعب دوراً هاماً في طبيعة التشكيلات التي تتخذها المنظمات السائدة. فالعلاقات القبلية والاسرية الممتدة تستمر جنباً الي جنب مع العلاقات "المدنية الجديدة" في ظل النظم الرأسمالية المتخلفة، كما هو الحال في مصر كما في الدول ذات النمو الاجتماعي والاقتصادي المتشابه.
وإذ تسود المنظمات ذات الطابع القبلي والمعتمدة علي الانتماء الجغرافي السابق (كما هو الحال في الاف من المنظمات المحلية في المجتماعات العشوائية الجديدة في المدن_ مثل أبناء قري الصعيد المختلفة)، فأنه حتي في المنظمات الاهلية الاكثر تطوراً والتي تعمل علي المستوي القومي، مازالت في الكثير من الاحيان، تسود العلاقات العائلية الموثوقة في قيادة تلك المنظمات.
ويرتبط مع هذه الظاهرة أنتشار ظاهرة منظمات الفرد المؤسس والذي يرتبط وجوده بوجود المنظمة ودوره التاريخي في تأسيسها، والتي يمكن أن يطلق عليها "المنظمة الفرد"، وليس من المستغرب أن تنسب العديد من مؤسساتنا اسم المؤسس او المدير أكثر من اسم المؤسسة (منظمة فلان). و بالرغم من الدور البارزالذي يلعبه هذا الفرد في إلهام ودفع عملية التأسيس والبناء إلا أنه في كثير من الاحيان يصبح معيقاً لعملية التطور المؤسسي اللاحق.
أن كافة هذه العلاقات إذ تساهم في تأسيس تلك المنظمات تجاوز تناقضات التخلف المؤسسي المجتمعي فهي بدورها تعقد عملية التطور المؤسسي لتلك المنظمات وتعود بالسلب علي قضية الديمقراطية الداخلية، والشفافية وتداخل المصالح وتفتح الباب أمام امكانيات الفساد من جانب وضعف شروط الاستمرارية. .
ولكن جوهر معضلة التخلف المؤسسي في مجال حديثنا عن التوافق والمقاومة هو مرة أخري قضية المحاسبة والتمثيل. فإذ يلعب تفاعل الضغط الخارجي والقيود الامنية والقانونية مع الضغوط المالية والتمويل علي قدرات المؤسسة علي المواجهة والحفاظ علي الاستقلال، فأن التخلف التنظيمي ذو الطابع المؤسسي يساهم في إضعاف إرتباط المؤسسات الوليدة بأعضائها وجمهورها الذي يمكن أن يشكل الحماية الحقيقية لوجود المؤسسات وإستقلاليتها والحفاظ علي رسالتها. ففي الأغلب الاعم أن يصاحب التخلف التنظيمي غياب أليات المحاسبة والأشراف والقدرة علي تغيير القيادة ، الامر الذي يساهم بدوره في إضعاف المؤسسة أمام الاطراف الاخري مثل النظام من جانب والممول من جانب الاخر.
وبقي أن نقول شيئا اخيرا حول قضية التمثيل والانابة والعلاقة مع جمهور منظمات المجتمع المدني والفئات التي تعمل من أجلها وتدعي تمثيلها. فقد ساد في التنظيمات المختلفة بما في ذلك الاحزاب السياسية منطق الانابة بدلاً عن منطق المشاركة الحقيقية للاعضاء والجمهور في القرار والتخطيط ومن ثم المحاسبة والقدرة علي التغيير.
وينطلق منطق الانابة من تراث في التفكير محتواه هو أن المنظمات التي تعمل من أجل مصالح فئات من الناس تصبح ممثلة لها بل ومتحدثة بأسمها. فإذا كانت الحكومات تتحدث بأسم الشعب فمنظمات المجتمع المدني تتحدث بأسم الفئات التي تعمل علي الدفاع عنها بالرغم من بعد هذه الفئات الكلي عن الساحة.
أن الخطر الحقيق لهذا المنطق لا يكمن فقط في إضعاف المؤسسة وحدها فحسب وفقدان مصداقيتها، ولكن في التخلي عن الدور التاريخي الا وهو تمكين الفئات المهمشة أنفسها من الدفاع عن مصالحها عن طريق التنظيم المباشر لأنفسها وتعميق موقف المترقب السلبي لهذه الفئات.
أن تفاعل كافة التحديات سابقة الذكر معاً يؤدي علي المدي الطويل الي خفوت المواجهة، العزلة، وتعميق التوجه للتوافق من أجل الاستمرار بدلاً من المواجهة. هذا إذا لم تضع المؤسسات المدنية استراتيجيات فردية ومشتركة لتحافظ من خلالها علي تعميق الارتباط بجمهورها واعضائها وخلق الاليات التي تجعلهم الجهة او الاطراف المسئولة فعلاً لا قولاً و ان ترتبط في ذلك بحركات اجتماعية لها جمهور واسع. ولن يأتي ذلك الا بتطور الحركة من جهة والعمل الواعي من قبل مؤسسات المجتمع المدني لتمكين هذا الجمهور من المشاركة والمسؤولية الحقيقية في قيادة وإدارة المؤسسات التي تدعي الدفاع عنه او تمثيله.
ان هذه التناقضات تناقضات موضوعية وليست ذاتية ولا توجد بالتالي وصفات سحرية ولا مواعظ أخلاقية ولكن قد تكون خبرة امريكا اللاتينية التي تآزرت فيها منظمات المجتمع المدني مع الحركات الاجتماعية العريضة والتي ارتبطت بها هي طوق النجاة الذي يمكن حقاً ان يفعل تجربة المجتمع المدني ونقله نقلة حقيقية الي الامام.
















