". وتتكون الكنفدرالية النقابية الدولية اليوم من 311 منظمة نقابية بتواريخ ومسارات ومسلسلات خاصة بها. ومع ذلك تتمثل إحدى تعليمات المؤتمر التأسيسي للكنفدرالية النقابية الدولية في البحث عن صيغ للتعاون مع أعضاء المجتمع المدني المنظم الذي يشاطروننا قيمنا.
انخرطت الحركة النقابية منذ البداية في المنتدى الاجتماعي العالمي، لكن بكيفية تدريجية. وتشترك الكنفدرالية النقابية الدولية، شأنها في ذلك شأن سابقاتها "الكنفدرالية الدولية للنقابات الحرة" و"الكنفدرالية العالمية للشغل"، في رفض الفكر الوحيد الليبرالي الجديد وتقر بمساهمة المنتدى في خلق وعي شامل من أجل عالم مغاير، وكدا بالرؤية التي أعطاها المنتدى لبعض النضالات .
لنذكر بأن الحركة النقابية عرفت، في مجموعها، خسارات كبرى ضمن الأجندة الليبرالية الجديدة، بداية من برامج إصلاح القطاع العام وخوصصة الخدمات العمومية (القطاعات الأكثر تنظيما في غالب الأحيان) وتقليص النفقات الاجتماعية وحذف الإعانات التي كانت تحظى بها السلع والخدمات الأساسية والتعويمات النقدية الكبرى وفرض تشريعات للشغل تتميز بالقمع وتضييق الخناق، وصولا إلى تحرير التجارة الدولية المدمر، في غالب الأحيان، لمناصب الشغل غير المؤهلة، مرورا بقمع الحكومات، المغرقة في الليبرالية، للعمل النقابي في الشمال والجنوب على حد سواء.
مع ذلك، وإذا كانت مشاركة المنظمات النقابية في تظاهرات المنتدى الاجتماعي العالمي تتغير بحسب المنظمات والبلدان فإنها في المقابل ليست مشاركة بالإجماع، بما أن غياب تأثير المسلسل هو عنصر غالبا ما تبرزه المنظمات النقابية.
لنُشرْ أخيرا إلى أن الحركة النقابية تعلمت من المنتديات الاجتماعية العالمية. فهذا المسلسل مكن من بلورة أشكال تنظيم جديدة وأصيلة، ومن إحداث شبكات وتعبئة. وقد وجدنا فيه أيضا حلفاء ما زلنا نشاركهم أعمالا جماعية في أيامنا هذه.
تحليل السياق العام:
إذا كانت الهيمنة الليبرالية الجديدة للعولمة قد عرفت تعديلا منذ إحداث المنتدى الأول سنة 2001، فإن ذلك التعديل تم بالتأكيد باتجاه التشدد.
وتتمثل إحدى نتائج هذا التشدد في تحويل وضعية التشغيل في العالم إلى وضعية هشة. فمسلسل تركيز الثروات يدفع العمال أكثر فأكثر نحو مناطق ينعدم فيها القانون، لا يتم الاعتراف فيها بعلاقة الشغل. وهكذا يتكاثر العمل المستقل والمياوم أو بالالتزام بالقيام التام بعمل معين، في المقاولة من الباطن أو في الاقتصاد غير المهيكل. وموازاة مع ذلك فإن التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية داخل البلدان وبين بعضها البعض تتزايد باستمرار.
إذا كانت بعض الانتصارات قد تحققت على وجه الخصوص بواسطة حكومات تقدمية على المستوى الوطني فإن تلك الانتصارات لم تغير (بعد؟) تغييرا عميقا الأجندة الدولية والحكامة العالمية. وإذا كان صحيحا أن المؤسسات المالية الدولية قد فقدت مصداقيتها، أو إذا كانت التجاوزات بالأسواق المالية تُرعب حتى الحكومات الأكثر محافظة في أيامنا هذه، فإن الردود المقدمة لا تتجاوز كثيرا مجرد التصريحات بالنوايا. وتجميد المفاوضات التجارية داخل منظمة التجارة العالمية يعكس على نحو أكبر إرادة البلدان المسماة بالبلدان الصاعدة في عدم الخضوع لأنانية قوى الشمال أكثر مما يعكس بروز توزيع جديد أكثر عدلا وإنصافا.
ولنلاحظ من جهة أخرى أن انتقادات نمط الحكامة الحالي، التي هي انتقادات وجيهة بالتأكيد، تتضمن مع ذلك خطر التراجع عن المجال متعدد الجوانب الذي لو تم تدبيره بكيفية مختلفة لكان ضامنا للسلم والاستقرار وللعدالة الاجتماعية.
في مقابل ذلك، تكسِب إعادة النظر في الهيمنة التقليدية على الساحة العالمية مساحات جديدة. فالبلدان الكبرى غير المنتمية إلى العالم الغربي تفرض ذاتها أكثر فأكثر على الساحة الدولية. ولم تعد مراكز اتخاذ القرارات ومراكز التأثير متمركزة في الشمال دون غيره. فعالمنا اليوم هو عالم بأقطاب متعددة تفوق ما كان عليه الأمر إبان إحداث المنتدى الاجتماعي العالمي سنة 2001، ومن المحتمل جدا أن يتواصل النزوع بقوة. وليس من المؤكد مع ذلك أن تعدد الأقطاب هذا سيفضي إلى تحول في الأجندة الدولية. فآسيا قد تبدو بثقلها الديمغرافي وقوتها الاقتصادية في المنطقة الجديرة أكثر من غيرها بتغيير الأجندة الاقتصادية- السياسية العالمية. والحال أنه إذا كان لإثبات قوة البلدان الآسيوية الكبرى تأثير هائل على الساحة الدولية فإن هذا الحضور القوي ليس معاديا مع ذلك لليبرالية الجديدة. إذ يبدو أن البلدان الآسيوية الكبرى قد استوعبت تماما نمط اشتغال النظام الرأسمالي، وأنها أصبحت من المناصرين المتحمسين له داخل بلدانها وخارجها على حد سواء. فالشركات الهندية متعددة الجنسيات ليست أكثر إحساسا بالقضايا الاجتماعية والبيئية، أو أكثر ارتباطا بالتشغيل من مثيلاتها الغربية. والصين التي تمول العجز الأمريكي في الميزانية هي واحد من أكثر المدافعين عن هذه العولمة الجائرة التي تَـكسِب من ورائها الشيء الكثير، على حساب يد عاملة وفيرة تعاني القمع والاستغلال على نطاق واسع.
هناك عامل جديد نسبيا مقارنة مع سنة 2001 وهو تسريع تطبيق مسلسل الإدماجات الجهوية المستوحاة في غالب الأحيان من السياسات الاقتصادية القائمة على المستوى العالمي. وعلى هذا النحو تبرز العولمة بسهولة أكبر بين المناطق. وهكذا نلاحظ تكاثر الاتفاقات التجارية الثنائية ومتعددة الأطراف التي تذهب، فضلا عن ذلك، إلى أبعد من متطلبات القواعد متعددة الأطراف التي حددتها منظمة التجارة العالمية. وتلك هي على سبيل المثال حالة DR-CAFCA المبرمة بين أمريكا الوسطى والولايات المتحدة الأمريكية ، أو مقترحات اتفاقات الشراكة الاقتصادية بين أوربا ومجموعة دول أفريقيا والكاريبي والمحيط الهادئ.
نقول من جهة أخرى إنه لأمر مقلق للغاية أن الحوار السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي لم يتمكن من فرض ذاته، وأن اللجوء إلى العنف المسلح، في وضعية ما بعد الحرب الباردة، ما يزال مستمرا في كل القارات.
تمثل ضخامة الأزمة البيئية الحالية بالتأكيد توزيعة جديدة منذ إحداث المنتدى. وهذه المعاينة، مقرونة بمعاينات أخرى، توضح بجلاء حدود نموذج التنمية الحالي.
هناك خاصية أخرى مهمة من المناسب أن نأخذها بعين الاعتبار في تأملنا حول مستقبل المنتدى، وهي قمع الحريات الفردية والجماعية، خصوصا حق التجمع الذي يمثل عائقا كبيرا أمام بروز مجتمع مدني عالمي. ومن هذا المنظور فإن «الحرب ضد الإرهاب» تقوض الحريات الفردية وتضر بتنظيم المجتمع المدني في العالم. ولْنْلاحظ فضلا عن ذلك أن توسع النموذج الليبرالي الجديد هو توسع مصحوب بتقلص الحقوق النقابية في كل القارات. ويجدر بنا على هذا النحو أن نكون واعين تماما بأن جزءا كبيرا من ضحايا النظام الاقتصادي العالمي غير ممثل في المنتديات، بما أنه غير قادر على تنظيم ذاته.
مستقبل المنتدى
ميثاق المبادئ:
تتمثل إحدى نتائج التعدد المتنامي للأقطاب في العالم، بالنسبة للمنتدى، في أهمية مواصلة عمله المتعلق بالتوسيع للرفع من المشاركة الجغرافية والموضوعاتية على حد سواء. وقد تم القيام بعدة محاولات للتوسيع، وهناك أخرى هي في طور الإنجاز؛ حيث تم طرح السؤال المتعلق بمعرفة ما إذا كان عمل التوسيع هذا يتطلب تعديلا لميثاق المبادئ. ونحن نرى أن ذلك ليس ضروريا. فالميثاق يمثل إجماعا انبنى عليه المنتدى الاجتماعي العالمي. والتوسيع يمكن، ويجب أن يتم في إطار الميثاق الذي حدد لنفسه هدفا يتمثل في تجميع أولئك الذين يناضلون ضد «الليبرالية الجديدة وضد الهيمنة العالمية لرأس المال وضد أي شكل من أشكال الإمبريالية، والذين هم في بحث مستمر عن بدائل.».
مجال مفتوح وتموقع سياسي:
لم يتخذ أبدا المنتدى العالمي لحد الآن، تماشيا مع ميثاق مبادئه، أي موقف سياسي حيال حدث خاص أو حملة أو صراع معين، وذلك ضمن هاجس احترام تنوع وتعدد الرجال والنساء المشاركين فيه. ويرى البعض في أيامنا هذه أنه لا مستقبل للمنتدى بدون تموقع سياسي، لأنه لن يكون بإمكانه تأسيس سلطة سياسية مضادة تمكنه من تحويل الأجندة العالمية تحويلا جذريا.
مفهوم المجال المفتوح (أي مجال مفتوح لكل أولئك الذين يتقاسمون مبادئ الميثاق) هو جوهر المنتدى ذاته. فهو رد استراتيجي (تجميع المجتمع المدني في شموليته وتنوعه) لكنه رد سياسي كذلك (رفض الفكر الوحيد). فالمنتدى يعارض بالفعل الأجندة الوحيدة مستثنيا منها المقترحات المتنوعة والتضمينية. إذ أن من شأن التخلي عن مبدإ المجال المفتوح أن يسجل نهاية المنتدى وأن يقوض نضال المنتدى المضاد للهيمنة. وإذا كان يتوجب أن يظل المنتدى فضاءا مفتوحا فإنه لا يجب أن يبقى مع ذلك محايدا. إذ من الضروري أن يحدث أثرا فعليا على الأجندة العالمية. وهكذا فإننا نعتقد أن مستقبل المنتدى رهين بقدرته على التقدم في الاتجاهين معا: الحفاظ على المجال المفتوح على نحو ما تم تصوره في ميثاق المبادئ من جهة، والجرأة على اتخاذ موقع سياسي من جهة أخرى. ويتمثل التحدي في أن نتمكن من جعل تنوعنا ليس مصدرا للتشتت، وإنما قوة تجعلنا قادرين على التأثير بالفعل على الأجندة السياسية الحالية. فالتحدي هو معرفة كيفية القيام بالعمليتين بشكل متواز وبكيفية منسجمة. ونحن نأوِّل هنا مفهوم التلاقي الذي تم تجريبه (بكيفية جد متواضعة في رأينا) بنيروبي كبداية رد على هذين المتطلبين.
كيف نتقدم؟
التقدم بشكل متآن في تقوية المجال المفتوح وفي تقوية اتخاذ الموقع السياسي هو أمر يتطلب في كافة الأحوال فهما واحتراما متبادلا بين أولئك الذين يشاركون في المنتدى. فنحن نرفض فكرة مراقبة المنتدى الاجتماعي العالمي من أي كان، بما في ذلك النقابات، لأن مفهوم التمركز ذاته هو مفهوم غريب عن المنتدى.
أظهرت لنا هذه السنوات الأخيرة أنه لن يكون أبدا بإمكان مجموع المشاركين في المنتدى أن يتفقوا اتفاقا تاما. لذلك يعتبر أمرا غير مجدي محاولة البحث عن الإجماع، هناك حيث لا يوجد. فليس بإمكاننا أن نتقدم إذن إلا على الأساس الذي يوحِّدنا.
ونحن نرى أن مواصلة تحقيق هذين الهدفين تقتضي البحث عن أعمال جماعية يمكن أن نلتقي فيها ضمن احترام تعددنا، ويمكن أن نتوافق فيها، في ما بيننا، من دون أن نعرض هوية وآراءه كل منا للخطر.
يمكن أن تأخذ هذه الأعمال الجماعية على سبيل المثال شكل منتديات عالمية موضوعاتية؛ إذ من شأن اختيار الموضوع أن يستجيب لاتخاذ موقف سياسي متخذ بالإجماع. فكل مجموعة أو حركة أو تنظيم يكون حرا في تنظيم أعماله وتقديم وجهات نظره ومقترحاته حول الموضوع الذي وقع عليه الاختيار. وقد لا يتحمل أي كان مواقف الآخرين. وقد يكون، علاوة على ذلك، أمرا أساسيا أخذ أهمية موضوع العمل الكريم/الشغل اللائق بعين الاعتبار في كافة المناقشات حول «عالم آخر ممكن».
تحديد القواسم المشتركة بين الجميع التي قد تساعدنا على تنظيم أشكال الأعمال الجماعية المبرزة لتعددنا، ذلك هو مقترحنا لكي يتقدم المنتدى نحو هذا العالم الآخر الممكن، الذي نطمح جميعا إلى تحقيقه